محمد بن عبد الكريم الشهرستاني
523
تفسير الشهرستاني المسمى مفاتيح الأسرار ومصابيح الأبرار
تنازع النفي والإثبات على شرائط التضادّ والتقابل لا بدّ أن يقتسما للصدق والكذب ؛ فلا يكون كلاهما صادقين أو كاذبين جميعا ، وإنّ اليهود والنصارى لم يتنازعا حتّى يكون أحدهما صادقا والثاني كاذبا ، وليس أحد الفريقين في جميع مسائله مبطلا أو محقّا ، بل البطلان كلّ البطلان في إنكارهم نبوّة النبيّ المصطفى - صلّى اللّه عليه وآله - وإنكار الكتاب العزيز الذي أنزل عليه . فمن أنكر نبيّ الوقت فهو ليس على شيء وإن كان على علم كثير وزهد وافر ؛ ومن أقرّ بنبيّ الوقت وصاحب الأمر وحكم الصادق وصدق الحاكم فهو على كلّ شيء ، وكذلك المختلفون في هذه الأمّة يتلون الكتاب لا حقّ تلاوته ؛ إذ لم يتّبعوا ما أنزل إليهم من ربّهم حقّ الاتّباع ؛ فلم يقولوا بالذي يتلوه شاهد منه واتّبعوا من دونه أولياء ؛ فقالوا مثل ما قال اليهود والنصارى والمجوس . فقالت القدرية مجوس هذه الأمّة : لستم معاشر الجبرية على شيء ، وقالت المشبّهة يهود هذه الأمّة : لستم معاشر المعطّلة على شيء ، وهم يتلون الكتاب ويختلفون هذا الاختلاف ؛ ولقد قال النبيّ - صلّى اللّه عليه وآله - « لتسلكنّ سبل الأمم قبلكم حذو القذّة بالقذّة والنعل بالنعل حتّى لو دخلوا جحر ضبّ لدخلتموه 584 » . وسرّ آخر : هذا الاختلاف بين المتناظرين في الأصول والفروع حكم المستأنف إذ لا حاكم لهم ؛ فاللّه يحكم بينهم يوم القيامة حكم المفروغ ، وهو حكم القيامة ؛ فيرتفع الخلاف ويتبيّن الحقّ ويظهر المحقّ ، واللّه يحكم لا معقّب لحكمه ، وهو سريع الحساب . قوله - جلّ وعزّ - : وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَساجِدَ اللَّهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ وَسَعى فِي خَرابِها أُولئِكَ ما كانَ لَهُمْ أَنْ يَدْخُلُوها إِلَّا خائِفِينَ لَهُمْ فِي الدُّنْيا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذابٌ عَظِيمٌ ( 114 ) النظم ولمّا اختلف اليهود والنصارى في تكفير بعضهم بعضا أفضى اختلافهم ذلك إلى منع مساجد اللّه أن يذكر فيها اسمه والسعي في خرابها ، وقد جرى ذلك في أوائل اليهود والنصارى حيث خربوا بيت المقدّس وأواخر المشركين حيث منعوا المسلمين من ذكر اللّه تعالى فيه .